12 , فبراير 2026

القطيف اليوم

أدر طرفك إليَّ.. "4" 

   في المطعم، جلسا يتحدثان، ويسترجعان الأيام الخالية إلا من الشوق، حكايات تئنّ إلى اللقاء، وكل منهما يأنس بالآخر. تعاهدا ألا يفترقا مرة أخرى، مهما عصفت بهما ظروف الحياة. وفي لحظة صفاء، وفي لحظة صفاء، فتح والد ريم قلبه لصديقه، هذا القلب المثقل بالهمهمات التي لم يبح بها لأحد، مستهلًا حديثه عن تجارته، وما حققه من نجاح مذهل، انعكس ازدهارًا في ثروته.

 ارتسمت على محيا صديقه علامات الفرح، وفي صمته المتأمل كانت الكلمات تتراقص بنشوة النجاح، تلك التي يتقنها الناجحون دون إسراف في الحديث؛ ليكون التأمل الشفيف، المبهر سيّد الموقف. وفجأة سأله عن أسرته، وعن الوقت الذي يقضيه معهم، وهل تستنزف تجارته جلّ وقته، بكونه يشرف على الصغيرة قبل الكبيرة. احمرّت وجنتا والد ريم خجلًا، وارتبك، لم يكن يتوقع هذا السؤال المباغ. رمقه بطرف عينيه، ورأسه ينحي إلى الأسف، لم يشأ المراوغة، فصارحه بضيق وقته، وبأن ضميره يؤنبه كثيرًا، فابنته كبرت، وأصبحت فتاة، فابنته كبرت، وأغلب الوقت تضج من الوحدة، وزوجته منشغلة بعملها، ومحاولاتها لا تسدّ حجم الاحتياج.

 أحسَّ أن شيئًا ما يكاد ينفجر داخله. أغمض عينيه، واستعرض سنوات أخضعها للغة الأرقام، فاكتشف أن نصيب أسرته، كان الأقل، والذي لا يكاد يذكر. وكأن صديقه قد أجج الصوت الخفي القابع في أعماقه، والذي يؤرقه بين الفينة والأخرى. فالضمير لا يفتأ يوقظ الإنسان؛ فإما أن يصغي إليه، أو يصرّ على تجاهله، وفي كلتا الحالتين، سيشعر بالألم.

 أخذ صديقه يلومه، بأسلوبه العذب، وبين أن ما يفعله لا يقبله عقل متزن، وأن عواقبه وخيمة. تمرُّ الأيام، والأشياء التي نغدق عليها وقتنا ومشاعرنا وتفكيرنا، قد تصبح يومًا ما البلاء الذي سيحيل ما تبقى من حياتنا إلى الندم، وتكون فاتورة السداد باهظة الثمن. 

 أبصره يتلوى بآهاته الخفية، فاستغل الحالة التي يمرُّ بها الآن؛ ليذكره بأيام الثقافة والكتب، وبأفكاره عن الأسرة المثالية، وعن حرصه القديم على التربية. أيقظت هذه الكلمات حنينه لكتبه، إلى الغرق اللذيذ في القراءة. كتبه التي اشتاق إلى لمسها، احتضانها، مسح غبار الزمن عن قسماتها.

 يتأمل دفء روحه التي سافرت هنيئة إلى ذلك الوقت، حين كانت عيناه، تقاومان النوم، فيقارعها؛ ليقرأ، فكم مرة يغفو في سبات عميق، والكتاب بين يديه؛ ليسقط في حضنه. مشهد لو أبصره فناني تشكيلي؛ لأمسك بريشته، وقام برسمه مشتاقًا إلى تفاصيله، ولو رآه مصور؛ لاقتنص هذه اللقطة، وشمّر عن ساعديه؛ ليلتقطها بكل تعابيرها، وما فيها من حياة صامتة. يا للذة التي احتوته بين ذراعيها وأنفاسها، جاءت، كوميض من ضوء السنوات. فالندم على ما فات، هو بداية تصحيح المسير، أليس كذلك؟ 

 عاد من المستودع بعد إشرافه على إنزال البضاعة الجديدة. هو رجل دقيق، يحرص على متابعة أدق التفاصيل. دائمًا يكون مع العمال في أداء عملهم، يحب أن يرى كل شيء على أحسن ما يكون. دخل مكتبه، شرب قليلًا من الماء، وأجرى بعض الاتصالات، ثم أسلم جسده للنوم. أراد أن يأخذ قسطًا من الراحة؛ ليعود إلى إكمال بقية أعماله. استيقظ بعد ساعة، عيناه ترتعشان، وقلبه يرتجف، أراد أن يتذكر ما حدث له، متمنيًا لو أن ما مرّ به كان مجرد حلم.


error: المحتوي محمي